مجلة طريق السلام / العدد الرابع – تشرين الأول

مجلة طريق السلام / العدد الرابع – تشرين الأول

رابط التحميل في الأسفل

الافتتاحية

[لا مزيد من المهادنة مع النّيوليبرالية]

 

 

تقوم الآن في الغرب نهضة عماليّة وَشعبية كبيرة لا يكاد يصل من أخبارها لِلمجتمع العربي المهدور أكثر من 1 بِالمئة في ظلّ نظام العولمة الّذي يتحدث فقط عن ما يعيشه الأغنياء خلال عطلةِ نهاية الأسبوع في أوروبا متجاهلًا آلاف المشردين الّذين ينامون جانبَ البيوت الفارغة وَمحلات الأطعمة المكتظة.الشّخصيات النّيوليبرالية هي شخصيات أنانية تريد تحقيق التّحرر الاقتصادي لِلمجتمع من دون أيّ سياسات اجتماعيّة تحقق حدّ أدنى لِلحياة الكريمة وَذلك لِأنّه بِكلّ بساطة يريدون السّيطرة على الثّروات لِوحدهم وَزيادة ثرواتهم بِشكل أسي وَمتزايد وَالّذي يعتقد بِأنّه يمكن لِأيّ قيمة أن تتزايد بشكلها الأسي لِلأبد هو إما غبي أو ليبرالي. يريد النّيوليبراليون السّوريين إعادة تجربة دول أوروبا الشّرقيّة بعد انهيار دول الاتحاد السّوفيتي وهنا نضع بين أيديكم اقتباس لِلمفكر الاشتراكي البريطاني كريس هارمان

رأى قادة صندوق النّقد الدّولي فرصتهم الكبرى في فرض إرادتهم على الاقتصاد العالمي مع انهيار النّظم السّابقة في أوربـا الشّرقية في الأعوام ٩٨ إلى ٩١

اتجاهات المعارضة الدّيمقراطية الّتي ظهرت في تلك البلدان كانت تبحث عن طريقة تخرج بها من مستويات الحياة الرّاكدة وَالشّروط المتأزمة، في نفس الوقت كان العديد من مديري الشّركات وَالسّياسيين القدامى يـرون أنّ هنـاك حاجة لِتبني سياسات جديدة تستطيع أن تحفظ لهم امتيازاتهم، كلّ هؤلاء تعاملوا مع مندوبي البنك الدّولي وصندوق النّقد واقتـصاديي الليبرالية الجّديدة كَأنّهم رسل المسيح الّذين جاءوا لِإنقاذهم.قدَّم هؤلاء لِأوروبا الشّرقيّة وروسيا وَأغلب الجّمهوريات السّوفيتية السّابقة برامجَ إصـلاح تعتمد على مبدأ „العلاج بِالصّدمة“ وَزعمت وسائل الإعلام الغربية بِحماس شديد أنّنا على وشك أن نرى معجزات اقتصادية وَلكن ما حدث هو العكس تمامًا. هبطت معدلات الإنتاج في كلّ مكان، في روسيا البلد الأكبـر الـّذي طبق تجربة الليبرالية الجديدة انخفض إنتاجه بمعدل النّصف تقريبًا، وَحـدث نفس الشّيء في أوكرانيا، بلغراد، رومانيا، ألبانيا، جورجيا، أرمينيا، وَأذربيجان. لم تكن المعاناة من آثار تطبيق سياسات الليبرالية الجّديدة في تلك البلدان بِالصّناعة كذلك الزّراعة تأثرت بِشدّة، فَقد انخفضت إنتاجية المحاصيل الزّراعية في روسيا إلى النّصف، وفي أوكرانيا إلـى ٢٤ % في عام ١٩٩٣م. كانت الوسيلة الوحيدة الّتي تضمن لِأغلب الأسر إعالة أطفالهم وَالحصول على طعام خلال فصل الشّتاء أن يقوموا بِتخزين جزء من الفاكهة وَالخضروات من مزارعهم.عدد الرّوسيين الّذين يعيشون على حدّ الكفاف وصل إلى ٦٠ مليون، وَأمراض أو أوبئة مثل الكوليرا أصبحت منتشرة بينهم كما هبط متوسط أعمار الرّجال من ٦٥ عام إلى ٥٧ عام، لم يحدث في التّاريخ انهيار اقتصادي بهذه الضّخامة من قبل إلّا في ظروف حرب أو كارثة من الكوارث الطّبيعية الهائلة.إنّ مسؤولية صندوق النّقد وَالبنك الدّوليين لم تكن في تقديم هذا العلاج ح بِاعتباره أمل كاذب علـى الأقـل وَلكـن فـي الإصرار على تقديم المزيد من نفس العلاج، ذلك مثل طبيب القرون الوسطى الّذي طُلب منه معالجة مريض يعاني مـن النّزيـف فَطالبه أن يستمر في النّزيف، أن ينزف فَأكثر، حتّى نزف إلى أن مات

وَإذا أردنا الحديث عن سوريا وَتجربتها مع النّيوليبرالية لا بدّ من الحديث عن مجنون النّيوليبرالية „عبدالله الدّردري“ وَالّذي اتجه إلى تحرير الأسواق بِطريقة كارثية

بعدَ تولي بشارُ الأسدِ لِلسّلطة قامَ بِتطبيقِ السّياساتِ النّيوليبراليّة وَ الّتي نصّ عليها صندوقُ النّقدِ الدّوليّ، حيثُ أُوكلَ هذا الملف لِلدّكتور „عبدالله الدّردري“ الّذي قامَ بِتحريرِ الاقتصادِ على حسابِ السّياساتِ الاجتماعيّة، الأمرُ الّذي أدى إلى نتائجٍ كارثيّة حسبَ ما أظهرتْ المؤشراتُ الاقتصاديّة والاجتماعيّة. ارتفعَ معدلُ البطالةِ منْ 9.5 % في عامِ 2000 إلى 14.9 في عامِ 2011 حسبَ الإحصاءاتِ الرسميّة السّوريّة وَبِنسبٍ أعلى في مصادرٍ أخرى غيرَ رسميّة. كانَ ما نسبتُهُ 23.3 منْ مجموعِ المُتعطلينَ منْ فئةِ الخريجين منَ الجّامعاتِ والمعاهدِ مما يعكسُ ظاهرةَ تنامي بطالةِ المتعلمين

ارتفعتْ أيضاً نسبُ البطالةِ ممنَ يحملونَ شهادةَ التّعليمِ الأساسيّ إلى أكثرِ منْ 50 بِالمئةِ منْ مجموعِ المتعطلين في عامِ 2006. الانفتاحُ الاقتصاديّ ذهبَ بِاتجاهِ تشجيعِ القطاعِ الخاص على حسابِ القطاعِ العام، حيثُ ازدادَ الاستثمارُ الكلّيّ في القطاعِ الخاص منْ 36% بِالمئةِ في عامِ 2000 إلى 57% في عامِ 2010. بِالمقابلِ شهدَ الاستثمارُ الكلّيّ في القطاعِ العام انخفاضاً منْ 64% في عامِ 2000 إلى 43 % في عامِ 2010 ، نضيفُ على ذلكَ نسبَ التّضخمِ الحاصلةِ في الاقتصادِ السّوريّ والّتي هي نتيجةٌ واضحةٌ لِسياساتِ نظامِ الطّغمةِ منذُ ثمانينياتِ القرنِ الماضي

الضغوطُ التّضخميّة في سوريّا جعلتْ الاستثمارَ فيما بعد متمركزاً في القطاعاتِ الغيرِ مُنتجة، حيثُ شهدَ قطاعُ السّكنِ ارتفاعاً بِرأسِ المالِ الثِابتِ منْ 11% بِالمئة في عامِ 2000 إلى 21% بِالمئةِ في عامِ 2010 مقابلَ انخفاضِ رأسِ المالِ الثّابت لِكلٍّ منْ قطاعِ الزّراعة و الصّناعة، حيثُ انخفضَ من عامِ 2000 لِ 2010 في قطاعِ الزّراعةِ منْ 16% إلى 10%، وفي قطاعِ الصّناعةِ منْ 29% إلى 25%.حسبَ احصائياتِ البنكِ الدّوليّ ارتفعَ التّضخمُ في سوريّا منْ 9.7 % في عامِ 2000 إلى تقريبِ 12 % في عامِ 2010، في الوقتِ الّذي كانتْ فيهِ الإعاناتُ الاجتماعيّة تشكلُ فقطْ 10% منَ الإنفاقِ الجّاري. لِمواجهةِ هذا التّضخم الحاصلِ وعلى غرارِ كافةِ الدّولِ الاستبداديّة الّتي تَغيبُ فيها فعاليةُ النقاباتِ العماليّة والتّنسيق ما بينَ السّياسات الماليّة والنّقديّة بسببِ عدمِ استقلاليتِها وتبعيتِها لِلنّظامِ الحاكمِ لجأتْ السّلطاتُ الماليّة إلى زيادةِ الإنفاقِ على الرّواتبِ و الأجورِ

في ظلّ هذا التّضخم الحاصل استصدرَ نظامُ الأسدِ قانونَ المصارفِ السّوريّ والّذي سمحَ لِلمصارفِ الخاصةِ بِدخولِ السّوق السّوريّة في إجراءِ نيو ليبراليّ آخر. إنّ نظامَ التّسليفِ بِشكلٍ عامٍّ هوَ أحدُ التّناقضاتِ الطّبقيّة الّتي تعاني منها الرّأسماليّة، و لعلَّ أبرزَ منْ تكلمَ عن ذلكَ كانتْ المُفكرة الاشتراكيّة „روزا لوكسمبورغ“ عندما شخصتْ الوظيفتين الاساسيتين لِلائتمان بِكونهما توسيعاً لِلإنتاجِ و تسهيلاً لِلتّبادلِ، والاثنتانِ تزيدانِ من عدمِ استقرارِ النّظامِ كونهما سَتزيدانِ منْ مجموعِ التّناقضاتِ الّتي يُعاني منها النّظامُ الرّأسماليّ بِالأساس.إنّ ما قامَ بهِ نظامُ التّسليفِ في سوريّا بعدَ دخولِ القطاعِ الخاص هو تعزيزُ التّفاوتِ الطّبقيّ. تمّ منحُ قروضٍ متعددةٍ ولكنْ يمكنُ حصرُها ضمنَ فئتين: الأولى استثماريّة: تمّ منحُها لِلطّبقات البرجوازيّة توسيعاً لِاستثماراتها. الثّانيّة استهلاكيّة: تمّ منحُها لِلطّبقة الوسطى و الغايةُ منها تحفيزُ الاستهلاكِ من أجلِ زيادةِ أرباحِ الطّبقاتِ البرجوازيّة.لقد تمّ تطبيق النّيوليبرالية في سوريا من حزب يَدعي الاشتراكية في العام الّذي تمّ فيه التّحول إلى توصيات صندوق النّقد الدّولي في سوريا ( اتباع السّياسة النّيوليبرالية)، وَفي عام 2000 نشرت مجلة Forbes قائمة تحتوي على أسماء بليونيرات العالم في صيف ذلك العام في تقريرها

{شهد عام ١٩٩٩ ظهور ١٧ بليونير جدد، وَبهذا يصل عدد بليونيرات العالم إلى ٤٨٢ بليونير وَإلى ٢٠٠ بليونير تقدر ثروتهم بـ١,١ بليون دولار، وَالثّلاثة الأكبر بينهم تُعادل ثروتهم ميزانية ٤٨ دولـة مـن الدّول الأشدّ فقرًا، ترتبط ثروة هؤلاء الثّلاثة بِالشّركات متعددة القومية. حوالي ٢٠٠ شركة من الشّركات العالمية الأكبر يديرها ما يقرب من ١٥٠٠٠ شخص من الأثرياء وَرأس مال تلك الشّركات يغطي أكثر من ٢٥ %من إنتاج العالم كَكلّ. هناك شركات عالمية يتجاوز حجم اقتصادها حجم اقتصاد العديد من البلدان الفقيرة، أكبر خمس شركات يديرها حوالي ٤٠ شخص فقط من الأثرياء الكبار، وَتزيد عوائد إنتاجها عـن عوائـد إنتـاج أفريقيـا وَالشّرق الأوسط معًا، وَضعف كلّ عوائد جنوب آسيا

هؤلاء الأشخاص المحدودون في العدد هم من يتخذ القرار على الصّعيد العالمي، يقررون نوع وحجم المنتجات، من سيكون لديه عمل؟، أين تذهب النّقود، ومن سيتمّ إفقارَه. جنسية ١٦٨ شركة – من تلك الشّركات – ترتبط بِالدّول الصّناعية المتقدمة، وَكذلك مقر إدارتها الرّئيسي – أمريكا، اليابان، فرنسا، ألمانيا، بريطانيا، وَ البقيّة أغلبها تنتمي لِدول مثل إيطاليا، السّويد، سويسرا، هولندا تلك الدّول هي الّتي تهيمن على كل مـن صنـدوق النّقـد الدولي وَالبنك الدولي وَمنظمة التّجارة العالمية، وتقوم الشّركات المذكورة بِبذل جهود هائلة لِتضمن لِبلدانها نفوذًا حاسمًا داخل تلك الكيانات (البنـك/ الـصّندوق/ المنظمـة / التّجارة).

نستطيع أن نرى الآن صعودًا أكبر لِلأحزاب العماليّة في أوروبا، هذا لا يعني أن هذه الأحزاب سوف تنجح بِتغيير الواقع وَلكنه بكلّ بساطة تعبير عن رغبة الشّارع بِالوقوف ضدّ السّياسات النّيوليبرالية الّتي دمرت العدالة الاجتماعية وَالبيئة وَكلّ شئ في مدينة غراز النّمساويّة حصل الحزب الشّيوعي النّمساوي على أعلى الأصوات حيث أصبحت عمدة المدينة الّتي تُعتبر ثاني أكبر مدينة في النّمسا تنتمي لِلحزب الشّيوعي وَلِأول مرّة منذ عقود . وصول الحزب الاشتراكي الدّيمقراطي وَحزب الخضر لِلائتلاف الحكومي في ألمانيا وَبقاء اليسار في صفوف المعارضة هو أيضًا مؤشر على الرّغبة في واجد الأحزاب العمالية وَبقوة ضمن البرلمان الألماني
يبدو أنّ فترة الهدنة وَالتّعايش ما بين الرّأسمالية وَالاشتراكية ضمن دولة واحدة في ألمانيا لم تعد ممكنة، وَالشّركات ما زالت تسعى لِلانقضاض على كافة المكاسب الاجتماعية لِلشّعب وَالشّعب ازداد حدّة وَشراسة في الشّارع، فَقد شهدت ألمانيا الشّهر الماضي في مظاهرات البيئة وحدها نزول أكثر من 200 ألف متظاهر في الشّارع وَدخل عمال شركة (دويتشه بان) في إضراب لِمدة أسبوع شلّ حركة البلاد حيث كان من أطول الإضرابات في تاريخ ألمانيا

انطلاقًا من كلّ ما ذكرنا علينا الانتباه أنّ النّيوليبرالية هي دين الأنانيين وَالانتهازيين وَأنّ كلّ العدالة الاجتماعية الّتي تعيشها أوروبا الآن هي حصيلة نضالات العمال وَالأحزاب العمالية وَقُتلت في سبيله „روزا لوكسمبورغ“ وَ „كارل ليبكنخت“.

مازال السّوريون يظنّون حتّى الآن أنّ النّيوليبرالية الرّأسمالية هي النّظام الأفضل الّذي يقف وراءه، وَلكن هنا علينا العودة بِالتّاريخ وَسوف نرى أنّ دولة الرّعاية وَالتّقديمات الاجتماعية الّتي عرفها الغرب لم تكن سوى الثّمن الّذي تعيّن على المجتمعات الصّناعية الرّأسمالية دفعه لِمقاومة الشّيوعية حيث أنّ هذه قد تلاشت فَلم يعد هناك مبرر لِتحمل نفقات الرّعاية، فَدولة الرّعاية أصبحت بائدة نظرًا إلى تكاليفها الباهظة الّتي حسبَ رأي هؤلاء الخبراء تعيق القدرة التّنافسية المتصاعدة في الأسواق المفتوحة وَعليه أصبح قدر من اللامساواة الاجتماعية أمرًا لا مناص منه خدمةَ لِأممية رأس المال الّتي حلّت محلّ أممية البروليتاريا، حيث أممية رأس المال وَديكتاتورية السّوق ترفعان شعار الرّبح الآني كَهدف واحد وحيد في عصر المنافسة المفتوحة الّتي يجب أن تسخر لها كلّ الإمكانات ،وَتُزاح من أمام انطلاقتها الكاسحة كلّ الضّوابط وَالقيود .

وَلكن! هذا لا يعني أنّ البديل الاشتراكي الّذي نسعى لِلوصول له كَحلّ لِلأزمات العالمية هو العودة لِلاتحاد السّوفيتي.
من وجهة نظرنا، إنّ المعسكر الاشتراكي لم يكن اشتراكي فَقد كان النّظام السّائد هناك هو نظام رأسمالية الدّولة الّذي طبقه الطّاغية „ستالين“ بعد أن التفّ على كافة منجزات الثّورة البلشفية. البديل الاشتراكي يعني التّنظيم من الأسفل لِلأعلى وَالتّوحد مع الطّبقات العاملة في جميع دول العالم لأنّه لا يمكن الوصول إلى توزيع عادل لِلثّروة أو لِلاشتراكية في بلد واحد فقط لِأنّه سوف يصبح من السّهل عزله.

من أجل تحميل كامل العدد إضغط هنا