مجلة ضد التيار- العدد الخامس – تشرين الثاني / نوفمبر

مجلة ضد التيار- العدد الخامس – تشرين الثاني / نوفمبر

الرفيقات و الرفاق الصديقات و الأصدقاء

تقرر في إجتماع الأعضاء في منظمة الموجة الأممية المنعقد بتاريخ 25-10-2021 تغيير إسم مجلتنا الشهرية من “طريق السلام” إلى ” ضد التيار” لما لهذا الإسم من تعبير أفضل عن توجهنا السياسي الذي نهدف فيه للوصول إلى سوريا الديمقراطية الآمنة والحرة و الموحدة و اللامركزية والخالية من كل  أشكال الاحتلالات و الاستبداد. هذا الإسم مستوحى من اسم صحيفة كانت تصدر في روسيا بين عامي 1914-1917 حيث لعبت هذه الصحيفة دوراً كبيراً في نجاح ثورة أكتوبر عام 1917 بعد ثورتين فاشلتين

رابط تحميل العدد في الأسفل

 

الافتتاحية

في الذكرى 104 لوعد بلفور الإمبريالي! القضية الفلسطينية بين مطرقة التطبيع و سندان حماس

 

زخم كبير في الأحداث السّياسية عاشتها منطقتنا هذه الأيام، وّلعلّ أهمّها كان الذّكرى |104| لِوعد بلفور وَالانقلاب العسكري الّذي قام به نظام العسكر على منجزات الثّورة السّودانية. لقد كان وعد بلفور أحد الأمثلة على الطّريقة الّتي تقوم بها الإمبريالية العالمية بِحلّ مشاكل المضطهدين.  يأتي دعمنا لِحقوق الشّعب الفلسطيني من أنّه ردة فعل على منظومة عالمية تبيع وَتشتري بِالإنسانية وَحقوقها حسب مزاجها، لِذلك لا يمكن أن نتعاطى مع القضية الفلسطينية على أنّها قضية عربية أو إسلامية وَإنما هي قضية إنسانية، وَمن أجل جعلها كذلك لا بدّ من التّكلم بِلغة تفهمها تيارات التّحرر العالمية وَهذا يتطلب دراسة حركة التّاريخ بِدقة وَليس الوقوف عند تاريخ “وعد بلفور” بل وَالنّظر إلى ما سبقه وما حصل بعده. 

من وجهة نظر البديل الاشتراكي أنّ إقامة وطن قومي لِليهود مصيدة أرادت بها قوى رأس المال عن طريق أداتها الصّهيونية أن تنقذ اليهود من مستنقع النّازية وتضعهم في مستنقع آخر.  لقد عارض الكثير من الاشتراكيين اليهود الطّرح الصّهيوني بِاستغلال ضحايا النّازية لِإقامة وطن قومي لِليهود، وَلعلّ أبرزهم كان الاشتراكي الرّوسي ( ليون تروتسكي) حيث نشر رسالته لِلعمال اليهود / تموز (١٩٤٠) وَيمكن قراءتَها في كتاب “الصّهيونيّة”  لِأنور كامل (من مجموعة “الخبز و الحريّة”). نشر في القاهرة ١٩٤٤م، قبل إعلان الكيان الصّهيوني عن قيام مزرعته المسماة إسرائيل !..وأعيد نشره ١٩٩٨م، في مكتبة مدبولي ~القاهرة، وهنا أقتبس:  ” إنّ محاولة حلّ المسألة اليهوديّة من خلال هجرة اليهود إلى فلسطين يمكن أن يُرى كما هو بالفعل كسخرية دراميّة من الشّعب اليهودي…… التّطور المُقبل للأحداث العسكريّة قد يحول إلى حدّ بعيد فلطسين إلى مصيدة دمويّة لبعض مئات الآلاف من اليهود، لم يكن أبداً ذلك بهذا الوضوح مثلما هو اليوم…إنّ خلاص الشّعب اليهودي مرتبط بشكل لا انفصام  فيه بالإطاحة بالنّظام الرّأسمالي

كيف كان حال اليهود في أوروبا قبل استصدار وعد بلفور؟ 

لم تكن النّازية هي أولى وآخر أشكال اضطهاد اليهود في أوروبا، فقد عرضت إحدى الأوراق البحثية المنشورة بِاللغتين العربية وَالألمانية تفاصيلًا حول تاريخ أوروبا في معاداة السّامية.  كان اليهود محروميّ الحقوق إلى حدّ كبير في العصور الوسطى الّتي هيمن عليها المسيحيون في أوروبا، ولم يُسمح لهم بالانضمام إلى المنظمات الحِرفيِة المسيحيّة أو حتّى ممارسة أيّ حرفة، كما لم يُسمح لهم بامتلاك الأراضي في معظم الأماكن…أدى هذا التّمييز إلى حقيقة أنّ اليهود لم يُسمح لهم في كثير من الأحيان إلّا بمزاولة تجارة التّجزئة وإقراض المال لِتأمين معيشتهم عن طريق تقاضي الفائدة وهو ما فتح الطّريق لِاكتشاف العمل المصرفي.  بعد ذلك وَلعدة قرون لاحقة تمّ انتقادهم وَإلقاء اللوم عليهم بِأنّهم قاموا بمزاولة هذه الأنشطة على وجه التّحديد وَاحتكارها على الرّغم من أنّها  خيارهم الوحيد المفروض عليهم، وقد تمّ طردهم من العديد من المدن وَاضطروا إلى الاستقرار في الرّيف، وفي القرن التّاسع عشر تمّ عزل اليهود في ألمانيا عن الشّعب وَحرموهم من حقّهم في التّصويت. عندما احتدم الطّاعون في أوروبا خلال العصور الوسطى تمّ البحث عن المُذنب المسبب للوباء الرّهيب وَالّذي أودى بحياة ثلث سكان أوروبا….آنذاك، ساهمت الكنيسة في نشر الإشاعات الّتي قامت بِاتهام اليهود بِتسميم الآبار وَبالتّالي التّسبب بهذا المرض المميت.  إذا ما لاحظنا الآن في المظاهرات الّتي يقوم بها اليمين المتطرف في أوروبا، نجدهم متأثرين تماماً بنظرية المؤامرة نفسها حيث قاموا علانيّة باتهام جورج سوروس ( اليهودي) بأنّه  المّسبب  لوباء كورونا في هذا الكوكب، و قام بجلب اللاجئين إلى أوروبا في عام( 2015) من أجل أن يقوم هؤلاء اللاجئين بِتدميرها.

كيف استغلت الحركة الصّهيونية جرائم النّازية؟

ذكر المفكر الاشتراكي البريطاني “توني كليف، حتّى وقت بداية الحرب العالمية الثّانية كانت الغالبية العظمى من اليهود في العالم وَخاصة العمال اليهود غير مساندين لِلصّهيونية، وَهكذا فَأنّه في بولندا حيث كان يقطن أكبر تجمع لِليهود في أوروبا، آنذاك قامت انتخابات المجالس في ديسمبر عام 1938 في وارسو، لودز، كراكو، ليفوف وَفيلانا وَعدّة مدن أخرى، وَحصد البوند – وهي منظمة العمال اليهود الاشتراكيين المعادين لِلصّهيونية – على أكثر من 70 بالمئة من الأصوات في الأقاليم اليهودية، وَكسب البوند أيضاً 17 من أصل 20 مقعد في وارسو بينما حصل الصّهاينة على مقعد واحد فقط.  ولكن هذا الوضع تغيّر جذريًا بعد حدوث “الهولوكوست”، فَلا يوجد يهودي واحد في أوروبا لم يفقد أعضاء من أسرته فيها، وَكذا تحول الغالبية العظمى من اليهود إلى صهاينة، وَهذا طبيعي جدًا حتّى لو لم يكونوا مقتنعين في الفكر الصّهيوني حيث لم يكن أمامهم إلّا الذّهاب بِالمشروع الصّهيوني أو الموت في مخيمات النّازية. 

القضية الفلسطينية من أين وإلى أين؟

لقد كان وعد بلفور له صيغة إجرامية في حقوق الشّعب الفلسطيني الّذي تمّ تشريده فيما بعد من قبل العصابات المسلحة التّابعة لِلصّهيونية، وَمازال هذا التّشريد قائمًا حتّى اليوم، وَلكنّه من جهة أخرى إجرام بِحقّ اليهود الأوروبيين الّذين لم يكن لديهم سوى خيار الهجرة هربًا من آلة الموت النّازية.  إنّ نضال الشّعب الفلسطيني من أجل تحرره القومي هو نضال مشروع بِكافة الوسائل حتّى في النّضال المسلح، وَلكن النّضال المسلح وحده من دون نظرية ثورية لا يمكن أن يأتي بِنتائج، فَإنّ ما تقوم به حماس اليوم من استعراضات عسكرية واهية عن طريق صواريخها الّتي لا تصيب سوى المدنيين ما هو إلّا سيناريو يصبّ في مصلحة اليمين الإسرائيلي خصوصًا.  إنّ وجهة نظرنا بِالتّعاطي مع القضية الفلسطينية تقترب من رأي الشّيوعي الفلسطيني “نقولا جبرا” الّذي كتب في مقالته الّتي تمّ نشرها لِأول مرة في مجلة اليسار الإنجليزي “بلاك دوورف” (Black Dwarf) في حزيران 1969:” يقترب الشّرق الأوسط من مفترق طرق، فَالدّول الأربعة الكبرى تتشاور بينها لِلاتفاق على “حلّ” تفرضه على سكان المنطقة أملًا في إعادة الاستقرار الّذي تقوّض إثر حرب حزيران 1967 وَنتائجها، وَينطوي هذا المفترق على أخطار عظيمة نسبة لِمستقبل الثّورة في الشّرق الأوسط، وَهذا المقال يرمي إلى تحليل هذه الأخطار.  لقد كشفت حرب “1948” إفلاس القيادة القديمة لِلحركة القومية العربية ‒ تلك القيادة الّتي كانت في قبضة الطّبقات البرجوازية وَأصحاب الأراضي، وَنتيجة لِهذا الإفلاس الواضح صعدت المسرح قيادة جديدة برجوازية صغيرة طبقيًا٬ وَأفلحت في القضاء على النّظام القديم في عدد من الأقطار العربية، وَسجلت مكاسب كبيرة في النّضال ضدّ الامبريالية، لكن حرب يونيو كشفت محدودية هذه القيادة النّاجمة عن ماهيتها الطّبقية وَايديولوجيتها القومية، وَتكشف عجز هذه القيادة المطلق في حلّ المسألة الفلسطينية, وَرغم دعم الاتحاد السّوفيتي فَإنّ النّاصريين وَالبعثيين وصلوا الى وضع من الإفلاس السّياسي “.

إنّ حساب ميزان القوى وَكذلك الحساب النّظري يبرهن  على عدم إمكانية حلّ القضية الفلسطينية ضمن إطار فلسطيني على انفراد، ما هو ميزان القوى ؟ الشّعب الفلسطيني يقف في معركة مواجهة الصّهيونية المدعومة بواسطة الامبريالية، وَعلى الصّعيد الدّاخلي يواجه هذا الشّعب أنظمة الحكم العربية المدعومة أيضًا بواسطة الامبريالية 

لقد كان رأي “نقولا جبرا”واضحًا هنا من حيث تطور الحركات القومية العربية الّتي وقعت بِيدّ البرجوازيات العربية الّتي كانت مرتبطة ارتباطًا عضويًا بِالإمبريالية العالمية.  هذا الفشل لِلحركات القومية العربية وَالارتباط العضوي لِلأحزاب الشّيوعية العربية بِالاتحاد السّوفييتي السّتاليني  -حيثُ كانت أول دولة تعترف بِإسرائيل حتّى قبل الولايات المتحدة الأمريكية وَبريطانيا- أدى إلى صعود حركات الإسلام السّياسي مثل حركة الإخوان المسلمين وَالّتي حوّلت القضية الفلسطينية من قضية عربية عربية لِقضية إسلامية لِيصبح الوضع أسوأ على ماهو عليه، فقد أصبح هذا اليمين السّياسي هو أفضل خدمة لِليمين السّياسي الإسرائيلي لِتبرير جرائمه بِحقّ الشّعب الفلسطيني. اليمين السّياسي دائمًا بِحاجة إلى يمين على الضّفة المعادية، لا يمكن لِليمين الإسرائيلي الاستمرار من دون وجود لِحماس وَالجّهاد الإسلامي وَحزب الله وَإيران، فَهو سَيفقد ذريعته بِالوجود وَالعكس صحيح. عندما نقول بِأنّ رؤوس الأموال تقف وراء كلّ شئ فهذا لا يعني هناك اجتماعات سرّية وَخفية بين المتآمرين على البشرية، وَإنّما هناك ديناميكية قيم معينة تضمن رد فعل مطلوب أو متوقع على أيّ حدث عالمي يحدث ضمن إطار الوعي الّذي تمّ برمجته مسبقًا في الإعلام وَالنّظام التّعليمي وَالكتب. 

الإسلام السّياسي شريك الغرب في تصفية القضية الفلسطينية

 أولاً نريد التّأكيد، نحن ندعم الشّعب الفلسطيني وَنضاله المشروع من أجل تحصيل حقوقه حتّى لو كان عن طريق النّضال المسلح، وَلكننا نقف ضدّ الحروب الخلبيّة العبثية الّتي تقوم بها حماس دون أن تسقط أيّ جندي إسرائيلي في حربها الماضية، وَإنّما على العكس فقد كان الضحايا هم فقط من المدنيين وَمنهم عرب فلسطينيين أيضًا، لطالما كانت هذه الصّواريخ العشوائية هي الخلاص لِحكومة الاحتلال وَالاستيطان عند اندلاع أيّة انتفاضة. عندما قررت حكومة الاحتلال إزالة حيّ الشّيخ جراح امتلأت شوارع القدس بِالمظاهرات الّتي كادت أن تتطور إلى انتفاضة ثالثة كانت سوف تجعل حكومة الاحتلال في مأزق حقيقي، بعد أن بدأت هذه المظاهرات تمّ إصدار قرار محكمة بِتأجيل عملية الهدم، وَلو كُتب لِهذه المظاهرات الاستمرار لَتمّ إلغاء إزالة حيّ الشّيخ جراح تحت الضّغوطات الشّعبية، وَلكن صواريخ حماس أنقذت حكومة الاحتلال في الوقت المناسب عندما أعلنت حربها العبثية الّتي كان ضحيتها مدنيين من نساء وَأطفال، وانتفاضة تمّ إجهاضها بسبب الحرب  

ما هو رأي البديل الاشتراكي في القضية الفلسطينية؟ 

في هذا السّياق  نودّ العودة إلى الطّرح الّذي قدمه الاشتراكي الفلسطيني “جبرا نقولا”، وَهنا نقتبس  

” لا يمكن حلّ هذه المسألة ضمن الإطار المقتصر على فلسطين  إذا كان المقصود دولة ديمقراطية هكذا “صوت واحد لِفرد واحد”٬ عمليًا تكون دولة كَهذه ذات أكثرية يهودية وَلن يردعها شيء أن تكون كَدولة إسرائيل الحالية، وَالفرق يكون في سعة رقعتها وَتواجد أقلية عربية أكبر، وَإن كان المقصود دولة ثنائية القومية فَإنّها ستكوّن وجود اصطناعي يتمّ فيه عزل الفلسطينيين عن العالم العربي وَعن العمليات الثّورية داخله.كما أنّه لا يوجد ضمان لِعدم سيطرة شعب على آخر ضمن بنية ثنائية القومية، طبعًا هذا بِالنّسبة لِحلول في إطار الظّروف الرّاهنة في المنطقة دون ثورة اجتماعية. أما إذا كان المقصود وضع ما بعد ثورة اجتماعية منتصرة، ما بعد تصفية الاستعمار وَالصّهيونية بِأنّ المسألة الفلسطينية لن تبقى قائمة بِشكل منفصل، بل ستكون هنالك مشاكل القوميات المختلفة الموجودة في العالم العربي (الأكراد، يهود إسرائيل وَجنوب السّودان).حلّ هذه المشاكل ممكن عن طريق منح حقّ تقرير المصير لِهذه القوميات، طبعًا الاعتراف بِحقّ تقرير المصير لا يعني تشجيع الانفصال على العكس، الاعتراف يشكل القاعدة الصّحيحة لِلانسجام دونما اضطهاد أو إرغام، بِالإضافة إلى ذلك فَإنّ حقّ تقرير المصير غير ممكن في المنطقة طالما أنّها تحت سيطرة الاستعمار المباشر أو غير المباشر، فقط بعد تحرير المنطقة من كل نفوذ امبريالي، بعد انتصار ثورة اشتراكية، وَبشكل خاص فَإنّ هذا الوضع يفرض مسبقا سقوط الصّهيونية 

هنالك ثلاث إمكانيات فقط

طردهم من البلاد، أو ضمّهم قسرًا،  أو منحهم حقّ تقرير المصير .كَاشتراكيين نحن نعارض إطلاقًا الإمكانيات الأولى والثانية، تبقى إذن الإمكانية الثاّلثة : تقرير المصير، سلبهم هذا الحقّ يعني تحويلهم إلى وضع أمة مضطهدة (بِالفتح)  وَلكن دولة عمالية لا تتوافق مع اضطهاد أقليات قومية. يجدر التّأكيد أنّ كون أمة مضطهَدة أو مضطهِدة ليس شيئّا يلازمها الى الأبد، بل يتغير مع الظروف، وَلا يمكن ضمان عدم تحول جماعة بشرية من مضطهدة (بالفتح) حاضرًا إلى مضطهدة (بِالكسر) مستقبلًا فَها هم اليهود كانوا مضطهَدين، أما الذين هاجروا منهم إلى إسرائيل غدوا جزءً من الاضطهاد الصّهيوني، هكذا أيضّا العرب المضطهدين (بِالفتح) حاليًا سَينقلبون مضطهدين (بِالكسر) إن هم سلبوا يهود إسرائيل حقّ تقرير المصير 

انفصال واندماج

يجب التّبيين كلّ التّبيين أنّ تقرير المصير ليس معناه بشكل أوتوماتيكي الانفصال، تقرير المصير يعني أنّ الحسم لِلانفصال أو البقاء في إطار دولة ما هو في يدّ الأمة الأقلية وَلا يفرض الحسم عليها من قبل الأمة الأكثرية .بِالنّسبة لِلموضوع الخاص المطروح ‒ يهود إسرائيل ‒ فإنّنا لا نوصي بِوجود دولة يهودية منفصلة عن الاتحاد الاشتراكي العربي، فَدولة منفصلة كَهذه لن تكون قادرة على الإبقاء الاقتصادي وَالعسكري وَالسّياسي، وَإن كانت إسرائيل قد استمرت في البقاء لِغاية الآن فَإنّ هذا من فضل الامبريالية عليها، وَعندما يتحرر يهود إسرائيل من الصّهيونية وَالامبريالية لن يكن لهم من مخرج سوى الاندماج بِاتحاد المشرق العربي (مع الإبقاء على قدر من الحكم الذّاتي)، وَفي رأينا سَتكون احتمالات الاندماج أكثر نجاحًا إذا ما مُنح يهود إسرائيل التّقرير في الأمر وَالعكس، إذا ما سلبوا حقّ تقرير المصير سَيشتد ميلهم إلى الانفصال وَتنشأ قضية أقلية قومية مضطهدة (بِالفتح) مُكافِحة من أجل الانفصال . إنّ مهمة النّضال في سبيل الاندماج هي مهمة الثوريين من أوساط الأقلية القومية، وَمن جهة أخرى يجب على الثّوريين من الأكثرية القومية ألا يكرهوا الأقلية على الحسم . إنّ موقفنا غير تجريدي وَلا يعالج القضية القومية على حِدى، موقفنا يتعين كليًا من خلال مفهومنا لِاستراتيجية الثّورة الاشتراكية في الشّرق العربي.إنّ إدراج حقّ تقرير المصير لِيهود إسرائيل في برنامج الثّورة سوف يسهل مسار هذه الثّورة: لِأنّه بِذلك يطرح لِلجّماهير الاسرائيلية البديل لِلصّهيونية مما يحسن الاحتمال لِجذب جزء من هذه الجّماهير إلى جانب الثّورة، وَمع ذلك ينبغي ألّا نستثني إمكانية انتصار الثّورة الاشتراكية في المشرق حتّى بِانعدام أيّ تأييد من أيّ جزء من الجّماهير الإسرائيلية، وَلكن مما لا شكّ فيه أنّ بِانعدام تأييد كهذَا سيكون طريق الثّورة أصعب بِكثير مصحوبًا بِضحايا أكثر، وَإذا ما سُلب يهود إسرائيل حقّ تقرير المصير سَيدفعون إلى الجّانب المناوئ لِلثّورة وَسَيحاربون حتّى النّهاية المريرة طالما أنّهم لن يجدوا أيّ خيار أو أيّ بديل معقول لِلصّهيونية

لكن، هل يعني منح تقرير المصير لِليهود الإسرائيليين تسليمًا بِالصّهيونية وَقبولًا لِدولة إسرائيل ؟ الحقيقة أنّ العكس هو الصّحيح، هذا الحقّ يمكن أن يمنح وَيمكن أن يكون ذا مغزى، فقط عندما تسقط الصّهيونية وَدولة إسرائيل الحالية .ماذا بخصوص الحدود الّتي ضمنها، سوف تسمح لِيهود إسرائيل ممارسة حقّهم في تقرير المصير ؟ وَهل هذا الحقّ لا يتنافى مع حقوق اللاجئين الفلسطينيين ؟ الأجوبة على هذين السّؤالين غير منفصلة، بِالطّبع  لا ينبغي لِحقّ يهود إسرائيل في تقرير المصير المساس بِحقّ العرب الفلسطينيين في العودة الى بلادهم وَبناء حياتهم فيها من جديد، وَلكن بعد عودتهم وَبناء حياتهم سَتظل مساحة من الأرض متصلة وَغالبية سكانها  من اليهود الاسرائيليين، على هذه المساحة يسري حقّهم في تقرير المصير… إذن حقّ تقرير المصير غير مرتبط بِحدود دولة إسرائيل وَلا بِأيّ خطّ آخر يمكن رسمه على الخارطة في الوقت الحاضر

وَايجازًا

 الظّروف الموضوعية الرّاهنة مواتية وَملازمة لّنشوء حركة ثورية اشتراكية جماهيرية بقيادة الطّبقة العاملة، المسترشدة بِحزب ماركسي ثوري يعمل وفقًا لِاستراتيجية عربية شاملة تعترف بِالحقوق القومية لِلقوميات الّتي تعيش في العالم العربي وَقادرة على استقطاب جماهير هذه القوميات إلى نضال مشترك من أجل التّحرير القومي وَالاجتماعي في المنطقة كلّها 

من أجل تحميل كامل العدد إضغط هنا