الصّراع الطّبقي في تاريخ سوريا الحديث

الصّراع الطّبقي في تاريخ سوريا الحديث

بقلم وسام مشهور أبو حسون 

 

أفرزت العشر سنوات الأخيرة الّتي عاشتها سوريا حركات سياسية معارضة،  انحصرت ما بين تيارات تريد تبديل الاستبداد بِاستبداد آخر، مثل: تيارات الإسلام السّياسي وَتيارات أُخرى تريد فقط إجراء تغيير بِالقيم الاجتماعية من دون تغيير البنية التّحتية الّتي صدرت عنها هذه القيم، وَبِالتّالي فقط إسدال غطاء ديمقراطي ليبرالي على كل الأمراض المجتمعية الّتي رافقت المنطقة على مدى قرون مثل: التّيارات الليبرالية العلمانية

البرجوازية الوطنيّة السّوريّة عامل رئيسي فيما آلت إليه الأحوال

تحاول بعض الصّحف القومية أو الليبرالية تبييض صفحة البرجوازية السّوريّة بِحُجة أنّها لم تأخذ فرصتها وَتمّ ظلمها عبر التّاريخ، لِهذا نريد هنا أن نعود بِتاريخ هذه الطّبقة وَتحليلها من وجهة نظر ماركسي. لقد كان القاسم المشترك الّذي يجمع بين الطّبقات البورجوازية الّتي توالت على سوريا خلال المئة عام الماضية أنّها لم تحمل راية الثّورة وَالتّغيير على غرار نظيرتها في الغرب،  حيث كانت البرجوازية الغربية في بداياتها تُمثل الثّورة على النّظام الإقطاعي وَلولاها لما شهدت أوروبا نهضتها الصّناعية، على العكس من ذلك تماماً.. فقد دخلت البورجوازيات المتتالية في سوريا منذ فترة الدّولة العثمانية مرورًا بِالاستعمار الفرنسي وَما بعدها ووصولًا إلى التّأميم الّذي أجراه حزب البعث في تحالف مع الإقطاعيين وَمع الأنظمة الحاكمة الّتي توالت على البلاد من أجل الإبقاء على مصالحه

تعود جذور البرجوازية في سوريا إلى فترة السّلطنة العثمانية الّتي كانت تعاني من أزمات اقتصادية بسبب ازدهار المدرسة الميركنتيلية (التّجارية) في أوروبا مما نجمَ عنه ازدياد تدريجي في السّيطرة الغربيّة على الكثير من الطّرق التّجارية في الشّرق الأوسط ووضع السّلطنة العثمانية تحت ضغوطات اقتصادية كبيرة جبرتها على تطبيق أنظمة ضريبية متتالية من أجل مواجهة هذا العجز. أعطت هذه الأنظمة الضّريبة المتتالية الصّلاحية لِلكثير من الأشخاص حرّيّة التّصرف بِالأراضي الّتي يجمعون منها الضّرائب، وَبِالتّالي ظهور طبقة كبيرة من ملاكي الأراضي، كانت هذه البرجوازية متحالفة بشكل مباشر مع السّلطان لذلك قاومت أيّ نوع من رياح التّغيير ضمن السّلطنة. فيما بعد، في عام 1880م أُصدر قانون الإقراض بِالفوائد وَالّذي سمح لِمالكي رؤوس الأموال استثمارَ أموالهم المتراكمة حيث تمّ إقراضها لِلفلاحين بِنسبة 25%. لقد كان قانون الإقراض هذا هو جوهر تشكل البرجوازية الحلبيّة وَالدّمشقية، بعد انهيار السّلطنة العثمانية شَكلَ هؤلاء مع كبار الضّباط والموظفين في الدّولة العثمانية وَزعماء العشائر وَوجهاء المناطق من الّذين حصلوا على الأراضي “نواة البورجوازية” الّتي استمرت حتّى تاريخ إصدار قانون الإصلاح الزّراعي وَالتّأميم تحت حكم حافظ الأسد وَالّذي تشكلت بِسببه برجوازية جديدة على أنقاض البرجوازية القديمة. 

في فترة الانتداب الفرنسي لم تلعب البورجوازية الوطنية أيّ دور ثوري أيضًا بل حاولت الحفاظ على مصالحها الطّبقية، هذا لم يمنع دخول هذه الطبقة في حركة التّحرر الوطني ضدّ الاستعمار الفرنسي وَلكن هذا التّدخل كان ناتج عن تناقض مصالحها كَبرجوازية وطنية مع مصالح الاستعمار وَليس كَحركة تحرريّة.نريد هنا تقسيم فترة الانتداب الفرنسي إلى ثلاث مراحل، أولها: كان تحت سيطرة الجّنرال غورو الّذي كانت سياسته تعتمد وَبِشكل واضح على عدم إشراك أهل البلد في اتخاذ القرارات بِشكل حقيقي بل وَاستعانت سلطة الانتداب في عهده بِمن تبقى من عناصر الجّهاز الإداري السّابق  وَأبقت على معظم فقرات الدّستور العثماني الصّادر في عام 1908م. الفترة الثّانية: كانت في عهد المندوبين (ويغان وَبونسو) الّذين كانا يُعتبران من الإصلاحيين حيثُ اتخذَا صيغة ” الشّراكة الانتدابية”  في إدارة مقدرات وَثروات البلاد وفقًا لِلعادات وَالتّقاليد السّائدة وَكان الهدف الرّئيسي من هذا الإجر تغذية الانتماء القطري في دول سوريا الثّلاث على حساب الانتماء القومي العربي خوفًا من استغلال الاستعمار الإنجليزي الّذي كان يسيطر على العراق وَفلسطين هذا الانتماء لِمصالحه على غرار ما قاموا به ضدّ السّلطنة العثمانية عندما دعموا الجّيش العربي بِقيادة الشّريف،  كانت هذه الفترة بِمثابة شهر عسل بين الاستعمار وَالبرجوازية الوطنية الّتي استفادت من اتفاق الشّراكة بِتعظيم ثرواتها.الفترة الثّالثة: بدأت بِانتهاء فترة وجود المفوض السّامي بونسو في عام 1933 حيث عادت فرنسا لِاتباع سياسة الانتداب التّقليدية وَساهمت الحدود المُصطنعة وَالحواجز بِتعميق أزمة البرجوازية الوطنية حيث تمّ عزل حلب عن ميناء اسكندرون وَعزل دمشق عن ميناء بيروت وَملاك الأراضي في الجّنوب عن ميناء حيفا، نتيجة لِذلك دعمت الطّبقة البرجوازية السّورية حركات التّحرر الوطني حيث اندلعت انتفاضة الاستقلال وَحصلت سوريا على استقلالها بعد سقوط حكومة فيشي الفرنسية الحليفة لِلنّازيين بِسبب خسارتهم الحرب العالمية الثّانية أمام الحلفاء.  

حتّى ما بعد الاستقلال لم تلعب هذه الطّبقة أيّ دور ثوري، فَقد نشأت كما غيرها من برجوازيات المنطقة في نمط إنتاج كولونيالي، وَكان ارتباطها بِالرّأسمالية العالمية ارتباطًا عضويًا وَعجزت عن القضاء على تطورها التّبعي لِلإمبريالية العالمية، وَهذا ما جعلها تدخل في هدنة مع الإقطاعية على عكس نظيرتها الأوروبية الّتي أخذت موقع قتالي ضدّ النّظام الإقطاعي، هذه الهدنة مع الإقطاعية أدت إلى استمرار فشل البرجوازية الوطنية السّوريّة بِأداء مهامها التّاريخيّة. عجز البرجوازية الوطنية السّوريّة عن القيام بِمهامها التّاريخية أبقت المنطقة ضمن علاقات إنتاج تمّ بناءها أيام السّلطنة العثمانية مع تعديلات بسيطة عليها فرضتها تبعية هذه البرجوازية لِلتّطورات العالمية كون أنّ فترة نشوئها كانت ضمن مرحلة الحرب الباردة ما بين الغرب والاتحاد السّوفياتي السّتاليني.هذه الحالة تحدث عنها  المفكر الاشتراكي وَالماركسي الإيطالي “أنطونيو غرامشي” بعد بحث تاريخي مكثف وَمعقد عن استقلالية البنى الفوقية وَعدم  اقتصارها على كونها تابعة وَنابعة عن البنى التّحتية، أشار غرامشي هنا إلى إمكانية بقاء الأفكار وَالقيم وَالمفاهيم بعد زوال البنى التّحتية الّتي أوجدتها.هذه الحرب لم تلقي بِظلال التّبعية فقط على البرجوازيات الوطنية وَإنّما أيضًا على الحزب الشّيوعي السّوري الّذي كان مرتبطًا ارتباطًا عضويًا بِالاتحاد السّوفياتي وَمناضلًا من أجل مصالح موسكو الوطنية، إنّ الطّابع الثّوري لِلحزب لا يأتي من اسم أو شعار أو موروث وَإنّما من خبرته المكتسبة من النّضال وَوجوده بين الجّماهير، وَهذا ما افتقدته كافة الأحزاب السّياسية في سوريا حيث أنّ جميعها كانت على علاقة تبعية بَأبّ روحي خارج البلاد. بقيت هذه البرجوازية تصارع من أجل مصالحها الطّبقية فقط -ارتبط اسمها بِاسماء عائلات مازالت حتّى الآن تصارع لِحجز مكان لها ضمن مقاعد هذه الطّبقة مثل الأتاسي وَالقوتلي- لِحين استلام حزب البعث لِلسّلطة وَإجراء التّأميم قانون الإصلاح الزّراعي، حيث ظهرت برجوازية أخرى على أنقاض البرجوازية الأصلية وَلعلّ أهمّها البرجوازية العسكرية من ضباط الجّيش وَالأجهزة الأمنية الّتي استفادت من الجّهاز البيروقراطي لِلدّولة وَقامت بِجمع ثروات طائلة بِالإضافة إلى البرجوازية الدّمشقية وَالحلبية الّتي دخلت بِصفقة مع النّظام البعثي ضمنت له بقاء دمشق وَحلب تحت سيطرته مقابل الإبقاء على مصالحها كَطبقة برجوازية  

في فلسفة الثّورة

بعد أنْ أثبتت البرجوازية السورية أنّها غير قادرة على القيام بِثورتها وَإنّما على العكس تمامًا، فقد كانت خلال المئة سنة المنصرمة  أحد أهمّ الحلفاء لِلسّلطات الّتي تعاقبت على حكم سوريا أو حتّى على مستوى العالم،  أصبح من الضّروري جدًا الحديث عن ثورة بروليتاريّة تسعى لِتحقيق تغيير جذري وَعميق في البنية السّياسية وَالاقتصادية وَالاجتماعية.إنّ الفكر النّظري لا يصبح سلاحًا فعلًا في يد التّحويل الثّوري لِلواقع الاجتماعي إلّا حين يدخل وعي الجّماهير بِالممارسة الثّورية، وَعليه فَإنّ دخول النّظرية الماركسية حيز التّطبيق وَتحولِها لِسلاح ثوري في الشّرق كان أثناء الثّورة البلشفية في عام 1917م، عندها كانت سوريا كما باقي أجزاء السّلطنة العثمانية في حالة بعد تامّ عن هذه النّظرية

 في اللحظة الّتي تحررت فيها سوريا من الاستعمار الفرنسي كان ستالين وَنظامه البيروقراطي قد أجهز على منجزات الثّورة البلشفية، هذا الواقع أدى إلى إلحاق تشوه كبير بِالنّظرية الماركسية في منطقة الشّرق الأوسط بِسبب ممارسات الأحزاب الشّيوعية العربية الّتي ارتبطت بِموسكو ارتباطًا عضويًا وَعندها الاتحاد السّوفياتي لم يكن اشتراكيًا وَإنّما ستالينيًّا، إنّ ميزة الفكر الماركسي بِأنّه إما أن يكون فكرًا مناضلًا وإما لا يكون لِذلك فَإنّ إنعاش هذه النّظرية في المنطقة يتطلب التحام النّظرية الماركسية بّالطّبقة العاملة – ما نقصده هنا بِالطّبقة العاملة ليس فقط عمال المصانع وَإنّما أيضًا موظفين وَصغار كسبة وَحرفيين – من أجل ظهورها كَنظرية علميّة وَهذا ما فشلت به حتّى الآن الأحزاب السّتالينية من جهة، وَمن جهة أُخرى بعض المنظمات الّتي تدعي التّروتسكية مثل فروع التّيار الاشتراكي الأممي في المنطقة.  إذا ما نظرنا في أماكن تصاعد الاحتجاجات ضدّ النّظام السّوري نجد أنّ معظمها كانت في المناطق الرّيفيّة أو في المناطق العشوائية، المناطق العشوائية الّتي كانت بِمثابة خزان سكني تجمعت فيه كل نتائج الفساد النّاتج عن الجّهاز البيروقراطي لِلنّظام السّوري، تجمع في هذه المناطق السّكنية الأشخاص الّذين غادروا الرّيف بِسبب سوء الأحوال المعيشية ولكنهم لم يستطيعوا السّكن في المدن الّتي كانت تسيطر عليها البرجوازية العسكرية وَالاقتصادية المحيطة بِنظام الطّغمة.كانت تركز الاحتجاجات في هذه الأحياء هو جوهر الصّراع الطّبقي في سوريا بين الطّبقة المسيطرة وَالطّبقة المسحوقة من الشّعب  في الصّراع الطّبقي تكون دائمًا الممارسة الإيديولوجية في خدمة الممارس السّياسية والعكس ليس صحيح. 

الإيديولوجيات الّتي سادت ضمن هيكل المعارضة السّورية كانت جميعها إيديولوجيات سلطة أيّ إيديولوجية طبقة تريد السّيطرة وَليس تحرير الشّعب وَمن ضمنها الطّبقة البرجوازية الّتي تمثلت في قسم منها بِالليبرالية الإسلاموية وَقسمها الآخر بِالليبرالية العلمانية ـ الّتي تمّ جمعها في الائتلاف الوطني وَالمجلس الوطني ـ من هنا نستطيع أن نجد أنّ أزمة الثّورات الّتي سادت المنطقة وَمنها سوريا كات بِالدرجة الأولى أنّ قياداتها كانت من الطّبقة البرجوازية وَبِالدّرجة الثّانية انعدام وجود البديل لِهذه الطّبقة وَالّذي يمتلك آلية التّحويل الثّوري لِعلاقات الإنتاج. تحاول الطّبقة البرجوازية الّتي اختارت جهة المعارضة أن تعيد تدوير نفسها بِكيانات وَأحزاب لها أسماء رنانة.

الحزب الليبرالي السّوري مثال

هذا الحزب الّذي يحمل أيديولوجية الطّبقة البرجوازية الّتي لَطالما تقاسمت السّلطة مع السّلطة السّياسية على مدى المئة عام المنصرمة  وَكان نظام البعث آخرها،  تحاول أن تدرج الآن في برامجها فقرات تدعو لِلتوزيع العادل لِلثّروات وَساعات عمل مناسبة وَغيرها من الأمور الّتي تصبّ في مصلحة الطّبقة العاملة. هم هنا يتحدثون عن توزيع عادل لِلنّسبة الضّئيلة من الثّروات الّتب سوف تتركها الطّبقة البرجوازية، وَهذا السّيناريو هو ليس جديد في عالم الثّورات فَالطالما التفّ الدّيمقراطيين البرجوازيين على الثّورات الشّعبية بِهذه الطّريقة. في خطاب كتبه الفيلسوف وَالمفكر الألماني (كارل ماركس) لِلعصبة الشّيوعية في نيسان عام 1850م حول ثورة “1848-1849” في ألمانيا، تحدث عن أساليب هذه الطّبقة بِالالتفاف لِتحقيق مصالحها الطّبقية، وَهنا نقتبس:

  لقد رأينا كيف سيصل الدّيمقراطيون البرجوازيون إلى الحكم في الحركة القادمة، وَكيف سيجبرون على اقتراح إجراءات ذات طابع اشتراكي نوعًا ما، في حال عدم تمكن الألمان من استلام الحكم وَتحقيق مصالحهم الطّبقية دون المرور بِمرحلة كاملة من التّطور الثّوري عليهم أن يبذلوا قصارى جهدهم لِإحراز النّصر الأكيد بِواسطة توعية أنفسهم على مصالحهم الطّبقية وَتبنيهم بِأسرع وقت لِموقف حزبي مستقل وَرفضهم أنْ تحرِفهم العبارات الخبيثة الّتي يرددها ديمقراطيو البرجوازية الصّغيرة وَلو لِلحظة واحدة عن تنظيم حزب بروليتاريا بشكل مستقل وَيجب أن يكون شعار نضالهم  الثورة الدائمة