قصة من بلدي

قصة من بلدي

بقلم ريما صقر

 

حين تروي لي نساء بلدي قصصهنّ أشعرُ بِالغصة تقتلني، لِكلّ واحدة منهنّ حكاية حزينة أجبرها عليها مجتمعٌ يَرفض  أن يحتضنها

مجتمعنا هذا المجتمع الشّرقي المحكوم بِعادات وَتقاليد أوجدها رجالٌ مأجورون تابعين لِلسّلطة وَعملهم الفعلي حمايتها، فَالعلاقة وطيدة بين الحالة السّياسية وَالاجتماعية وَالاقتصادية، وَلا تصبّ إلّا في مصلحة الدّيكتاتورية الّتي تحكم الدّول العربية وَمن ضمنها سوريا، مُلازمة لِرجال الدّين بما يخدم مصلحة الحاكم الّذي منحهم سلطة كاملة، وَاستخدم كلّ الطّرق وَالوسائل لِيبقى ساطورهُ موجهًا نحو رقاب الشّعب. هذه القصة لِامرأة أربعينية وَأمّ لِطفلين، تعيش اليوم في إحدى المدن الألمانية، بعد مواجهة صعبة مع الموت لِلهرب مع أطفالها بعدَ تهديدات كانت توجه لها بِقتلهم، لِأسبابٍ أخفتها طوال عشرين عامًا عن الجّميع جراء الخوف من نتائج الحقيقة، لِذا صوبت وجهتها خارج البلاد مُتحدية المجهول لِتنجو بهم وَخاصة خوفها على ابنتها من أن تنال ذات مصيرها في سوريا. حقيقةً كنتُ أراها دائمًا مُتشددة في كرهها لِلنّظام، وَلِأسباب لاتختلفُ عن أسبابنا نحن، إلى أن حدثتني بِصراحة عن قصتها.  قالت: هل تعرفين، إنّ الشّخص الّذي يتعرض لِلاعتقال، أو حتّى السّؤال في مكاتب الأمن، وحده يعرف كمية القهر وَالذّل وَالإجرام المتعايشين معه

سألتها عمّا إذا كانت معتقلة، وَطالبتها بكشف الحقيقة كي يسمعها الجّميع بِصدق ووضوح، وَحصلت على موافقتها، حيث أجابت:  أنتِ الآن تعيدينني عشرين عامًا إلى الوراء لم يكن اعتقال كَالمُتعارف عليه، وَلايمكن لي أن أنسى ذاك اليوم أبدًا، لم تكن بدأت الثّورة بعد، وَلا أريدُ أن أخوض هذا الحديث ثانيةً ثمّ أنهت اللقاء وَنهضت مسرعةً مُبررة ذلك بأنّ ابنَهاعلى وشك الوصول لِلمنزل. بعدها جلست وحيدة أفكر بِالأمر الّذي تخفيه، وماهي طبيعة الاعتقال، وَلما لا يمكنها النّسيان؟  بعد عدة أيام حاولت التّواصل معها لكنّها رفضت بِاستمرار بِحجة لا وقت لديها. لكن بعد شهر من آخر محاولة اتصلت بي، وَسألتني إذ كان بإمكانها لقائي، وَبالطّبع وافقت، حين رأيتها كان وضعها النفسي سيئًا وجليًا رغم محاولات إخفائه، سألتها عن حالتها الصّحية، وَماقالتهُ أنّها تعاني من القلق وَالتّوتر فقط. أخبرتها بِأنّها إن أصرّت على الصّمت وَلم تُخرج آلام داخلها لن تشعر بالرّاحة يومًا، وَستبقى طِوال حياتها تحت تأثير هذا الشّعور، لم أكد  أُنهي ما أقول حتّى أجهشت بِالبكاء، حينها شعرت بِأنّ شيئًا مخيفًا يحصل معها، وَأنّها امرأة حساسة جدًا حيثُ كانت تنهمرُ دموعها سريعًا  كلّما تحدثنا عن سوريا وَمآسيها. أذكر ذات مرة أن أخبرها أحد زملائنا بأنّها حساسة بشكل لايوصف، رغم أنّنا جميعًا نعرف مدى قوة شخصيتها، وَبأنّه لم يجد تفسيرًا لهذا التّناقض بين البكاء والقوة. الجّميل أنّها في لقائنا هذا أرادت أنْ تروي حقيقة ماحدث لِعدم قدرتها على حمل الأمر وحدها، وَمرافقته حتّى أحلامها، حيث قالت: بعد أن أنهيت دراستي الجّامعية عام ١٩٩٧م في قسم الصّحافة، حاولت البحث عن عمل، وَلكنّي لم أجد عملًا مناسبًا لأنّي لم أرغب يومًا بِالرّشاوى أو بيع نفسي، حيث اضطررت لِلسّفر من ريف حماة إلى دمشق بحثًا عن فرص أكثر، رغم ممانعة عائلتي لِلفكرة لِأنّي من أسرة ميسورة الحال، وَلكن إصراري دفع أبي لِلموافقة، وَبعد أن وصلت دمشق تقدمت لِأكثر من وظيفة وَكان الرّد بِالرّفض لِعدم وجود شاغر وَفي الواقع السّبب الحقيقي عدم انتسابي لِحزب البعث، حينها قررت عدم الخضوع وَابتعادي عن الصّحافة وَالتّوجه نحو مجالات أخرى منها شركة كبيرة لِصناعة الملابس وَتمّ قبولي فورًا، غافلةً عن أنّ سبب قبولي كان رغبةَ المدير المالي حينما رآني أدخل باب الشّركة..عُينت في قسم السّكرتارية، وَأخبروني أنّي سأتعلم كلّ الأمور، لكن بعد ذلك بدأت محاولات المدير المالي بِاستغلالي، وحينَ تكرر الأمر قمت بِتقديم شكوى ضدّه لِلمدير العام ثمّ تمّ فصلي بعدها وَهذا أمر لا أندم عليه

 

واصلتُ بعدها البحث عن عمل إلى أن وجدت عملًا في مؤسسة خاصة لِلمطبوعات وَتقريبًا يشبه عملي كَصحفية، وَنلت الموافقة من نائب المدير لِاعتقال المدير آنذاك بسبب تقرير كتبه فيه أحدهم.  عملت فيها ما يقارب العام ونصف تمّ خلالها الإفراج عن مدير المؤسسة، وَبالطّبع جميع العاملين كانوا ينتمون لجهات سياسية مختلفة دون أن يصرحوا عن ذلك خوفًا من اعتقالهم، كون الحزب الوحيد المصرح به هو حزب البعث فقط. وثق بي المدير جدًا حيث سلمني جميع الملفات السّرية الخاصة بِالمؤسسة وَبِالفعل كنت أمينة عليها.. حتّى جاء يوم كنت عائدة فيه من العمل إلى البيت وقبل مسافة صغيرة من وصولي أوقفتني سيارة، ثمّ خرج منها رجل بِهندام يُظهر أنّه صاحب عمل مهم في البلد وَبانتظاره شخص في المقعد الخلفي، أراد  صعودي لِلسّيارة وَأخبرني أنّ معلمه يريد الحديث معي، سألته أيّ معلم، وَ ليس لدي أيّ معل حيث وقتها كنت لا أعرف معنى معلم لديهم، لكنه عاد وكرر: المعلم عاوزك، قلت له: حسنًا، أهلًا وسهلًا… إن كنتم تريدون مساعدتي في أيّ شي تفضلوا بيتي في هذا الشّارع، لكنّه أجبرني على ركوب السّيارة بِجانب ذاك الشّخص في المقعد الخلفي، تبين لي أنّه يعمل لدى أحدهم، وَأخذوني إلي مكتبٍ أمني في أحد الأماكن الرّاقية بِدمشق وَبعد أن وصلنا دخل معي الشّخص الجّالس بجانبي..ولم أعرف اسم أيّّ منهما. ما إن دخلنا حتّى فُتح أحد الأبواب، ثمّ قال: معلم، جبنالك صيدة !!! وقفت مصدومة أين أنا؟ ماذا سيحلّ بِأهلي إن علموا ما أنه به الآن، وَخلال قوانٍ تملكتني ذكريات جميع أحبائي. وصلتُ لِلمعلم الأساسي، بعد أن دخلت مكتبه طلب مني الجّلوس، وَبادرت فورًا بِالسّؤال: لِما أنا هنا؟

أجاب: أنتِ فلان بنتُ فلان وَتعملين في المؤسسة كذا، شعرتُ حينها أنّي في ورطةٍ كبيرة وَأكدت له أنني هيَ وَسألته عن فعلتي، ثمّ سأل ماذا يفعل مديري هذه الأيام؟ وَقلت لا شيء في المكتب وَلاأتدخل في شؤونه، وَمن يأتي لِزيارته؟ فَأجبته لا أحد سوى إخوته وَأقربائه، كانت إجابتي صادقة بِالفعل لِأنّي لم أرَ شخصًا غريبًا أو مُريبًا يدخل مكتبه.بعدها هددني بِحسابي لو كذبت، وماقاله بالضّبط: “ليك ولي أنا بعرف إيمتا أمّك ولدتك، وَإذا بتكذبي إلي حساب تاني معك”..  وَلكنني أخبرته أنّي مجرد سكرتيرة وَليس لدي ما أخفيه، تفاجأت بِإجابته حينما سألني لِما كنت أقول أنّ الشّعب اعتاد الذّل، ثمّ قال: ماذا تريدون أفضل من ذلك أم أنكم تودّون لِاسرائيل أخذ سوريا؟ عُدت إلى حديثي مع زميلٍ لي، حينها كانَ آخر ينصتُ لِلحديث دون أيّة كلمة، تأكدت من أنّه مُخبر كما قال زميلي وَعلينا أن نتوخى الحذر منه، ثمّ قلتُ أنّه مجرد حديث عابر ولا يمكن لِأحد أن يقبل بِحكم إسرائيل لِسوريا كما لجأت لِلكذب وَأخبرته أنّ الرّئيس يفعل كلّ ما باستطاعته لِحمايتنالمْ يجب بشيء وَنادى لِشخصٍ يُدعى أبا عامر، وَأمره بِأن لا يسمح لِأحد بالاقتراب من الباب وَصرفه، ثمّ اقفل الباب من الدّاخل، أغلق السّتائر وَجلس على سريرٍ في الغرفة وَناداني لِأقترب، كنت مرتعبة وَمتفاجئة معًا تحديدًا عندما قال لي: “تعالي، ولا بجي أنا؟

لم استطع الحراك وَلا الصّراخ، فَقام وشدّني إليه ولم أقوى حينها على الحركة أو أيّ تصرف آخر، وَالخوف من هذه اللحظة وَاللحظة الّتي تليها كان كلّ ماتملكني. انهى فعلته ثمّ تحدث عمّا إذا كنت صادقة أو لا، وَأنّي لو كذبت سيعلم هذا بِطرقه الخاصة، وَأنّ أبا عامر سيوصلني لِمكان قريب من بيتي، وَهددني بِأن ألتزم الصّمت حيال الموضوع وإلّا أحضرني مرة أُخرى. نادى مجددًا على أبي عامر، عُدت في سيارته أنا أبكي سرًا دون أن يسمع وَأشتمه وأشتم سيادته، وَهو منطرب لِسيارته وَيضحك. نزلت من السّيارة وَأنا لست أنا وَفي اليوم التّالي لم أذهب لِلعمل، لازمت المنزل لِيومين، ثمّ عدت بعدها لِلعمل وَأنا أعلم أنّي في ورطة، ورطة كبيرة وَليس بِإمكاني إخبار أحد، لكن بعدها تركت عملي وَلم أقدر على العودة إلى أهلي وَإخبارهم بِماحدث، فَالاحتمال كبير أنّهم لن يتقبلوا الأمر، وَأولًا وَآخرًا سيقع اللوم عليّ. حاولت البحث عن عملٍ آخر وَلم أجد، لكن لجأت لِجار لي وَرويت لهُ قصتي كاملة بعد ملاحظته غيابي لِفترة طويلة وَإصراره على التّحدث، لم يتردد عن مساعدتي وَكان حلّه إيجاد شابٍ لِلزّواج بي وَإن كانَ لِفترة قصيرة ثمّ ننفصل، المهم أن أخرج من هذا المأزق، وَبعد فترة وجيزة يأتيني بِخبر إيجاده لِشاب يودّ الزّواج وَهو يبحث عن فتاة مُتعلمة لِأجل أبنائه، وَشرح لي عن حالته السّيئة وَترْك أهله له لِيكبر في مأوى لِلأيتام، وَأنّه السّبيل الوحيد لِلنّجاة، وَبعد الشّرح عمّا مررا به وافق الشّاب على عرض الزّواج بي ثمّ تزوجنا، إلّا أنّه كلّما احتاج لِمال ابتزني وهدد بِإخبار أهلي إن لم أحضر منهم مالًا، إلى أن توقف عمل والدي وَباتَ عاجزًا عن إعطائي بدأن الأمور تؤول إلى الأسوأ وَالضّرب وَالإهانات وَالذّل اليومي، وَالمساومة على أنّي إن أخبرت أحدًا سيطلقني وَيحرمني من أولادي لأنّي حسب قوله امرأة غير صالحة لِلتّربية بِسبب أخلاقي، لِيتزوج من امرأة ثانية. استمر زواجي معه بعدها أشهر قليلة يأتي خلالها لِلبيت مع خبز وَالغداء الّذي يختاره هو، يتفقد ثلاجة الطّعام وَإذا وجد طعامًا من اليوم السّابق يُجبرني ألّا أطبخ شيئًا حتّى ينتهي، يمكن القول عبودية بما حملته من معنى

وَعلاوة على هذا يُطالب بِإرثي من والدي قبل أن يتوفى، وَحصتي من المنزل لِيأخذهم له، عدا عن ضرب الأولاد إلى أن قرر الانفصال لأنّه لايقوى على ما يترتب عليه من تكاليف لِبيتين، وَطبعًا لي هذا يوم المُنى حتّى أنّه تنازل عن الأولاد لِظنّه أنّ ماحدث لي سيوجعهم حينما يكبرون وَبِالطّبع لن أتركهم له.  كان هذا قبل بداية الثّورة بِأشهر حيثُ أجبرني على توقيع تنازل عن حقوقي وَالمال الّذي استدنته من أهلي على شرط أن يعمل بها وكانت بما يقارب مليون ليرة، وافقت وَهمّي الأول أن أخرج بِأولادي من هذا المستنقع. عدت لِمنزل أهلي مع طفلين الكبير فيهم عشر سنوات وَالفتاة ثمان سنوات، يصرف علينا أبي وَبعد سنة توفي وَوزعت ورثته بِالتّساوي بيننا حتّى أنّ أخي كان مهتم جدًا بِالأولاد، لكن ماحدث أنّه اضطر لِمغادرة سوريا مثل الكثير من الشّبان لِأسباب أمنية وَأنا حاولت أن أعمل بِالمبلغ الِذي أملكه فَقمت بِفتح مشروع صغير، وَلِلأسف أذيال النّظام كانوا ورائي أينما ذهبت، حتّى يوم ١١ تشرين الثّاني ٢٠١٥ حيثُ جاءَ أحدهم وَأجبرني على الوقوف وَأخبرني أنّه يعرفني وَيعرف أولادي أيضًا، حينها تذكرت الماضي وَبما يمكن أن يفعلوه بِابنتي، هؤلاء لايرحمون طفلًا أو طفل أو أي أحدٍ آخر، بعدما عدت لِلمنزل أخبرت أمّي أن أريد المغادرة مع أولادي، انزعجت كثيرًا في بداية الأمر خاصة أنّي كنت أملها الوحيد وَأني أخبرتها بِأنّي لن أُغادرحتّى لو غادرها الجّميع لأنّ النّظام سيسقط وَيسقط معه الظّلم، إلّا أنّ هؤلاء لن يرحموننا لو أخذوا أحدًا منّا، لِذا قمت بِجميع الإجراءات وَساعدني صديق بِمعاملات جوازات السّفر، لِأنّي مطلقة وَلايمكن لِلأولاد المغادرة دون موافقة الأبّ، لكن الحجة كانت أنّ أبّيهم بعد قصف المكان الّذي كان يقطنه أناسٌ قالت أنّه مات وَآخرون أخبرونا أنّه غادر سوريا، تعاطف معي القاضي وَساعدني، ثمّ بعت كل شيء خلال شهر واحد وَأمنت مبلغًا يوصلني أوروبا فَأخذت أولادي وغادرت وَفي رأسي فكرة واحدة إما أن نموت معًا أو نصل معًا..وَلكن وصلنا جميعًا بخير. حاليًا أنا في ألمانيا وَأعمل لكن داخلي شيء موجع جدًا، وَبسبب الأفكار الّتي حملها السّوريوم مهم لازلت غير قادرة عن الحديث لِأحد، أملي الوحيد أن يسقط النّظام، وتتبني الأجيال الجّديدة سوريا بِمحبّة… ثمّ أنهت حديثها معي.  عندما تتحدثين كيف يتوجب على المرأة أن تكون قوية، كيف تريدينها أن تكون قوية في مجتمع هي فيه مجرد وسيلة لِتلبية الّرغبات… تأكدي كلّ النّساء قويات، لكن المجتمع إما أن يأخذ بِيدها أو يظهر فقط ضعفها.  سألتها: مازلت متعبة؟ وَأجابت أنّها تشعر بِتحسن، وَأخبرتها أنّ هذا التّحسن سيستمر وَالمهم أن تبقى قوية وَتواجه وَألّا تسكت عن الظّلم وَلتصرخ بِأعلى صوتها. غادرتها وَأنا أفكر بِكمية القهر الّذي مازالت المرأة تعاني منه في الوقت الّذي يبدو فيه الكثيرون على أنّهم حقوقيون، وَأنّ المرأى مستقلة بذاتها، وَلكن حين يمسّهم الأمر تخرج شرقيتِهم انتقامًا لِشرفهم من امرأة أجبرَها المجتمع على السّقوط.