لَكاسا دي بابل….. مسلسل يروي قصّة صراع طبقي بنكهة إسبانيّة: الجزء الأول

لَكاسا دي بابل….. مسلسل يروي قصّة صراع طبقي بنكهة إسبانيّة: الجزء الأول

إنَّ مجموعة القيم الثّقافية السّائدة في أيّ مجتمع، هي البنية التّحتية لأيّ نظام سياسي، ثقافي، تعليمي وحتّى فني درامي سوف ينشئ فيه

 لطالما كانت الدّول المتحدثة باللغة الإسبانية هي مصدر للعديد من الثّورات، ولربما كان آخرها مسلسل بيت من ورق الّذي تجلى فيه وبشكلٍ واضح  الإرث اليساري الاسباني

 في هذا المسلسل تتغير مفاهيم الخير والشّر بين مشهد وآخر، وبين فينة و أخرى، لا سيّما أنّ القناع الّذي تمّ اختياره لتغطية وجوههم هو قناع „سلفادور دالي“ وهو فنان إيطالي وقف إلى جانب الدّيكتاتور فرانكو بمجازره ضد الإسبان

لماذا قناع سلفادور دالي؟

قصة تظهر القيم اليساريّة في أدق تفاصيلها و يبدو من الغريب جداً تحويل وجه أحد فناني اليمين إلى رمز سيدل فيما بعد على الثّورة، ولكن إن دققنا في لحظات استخدام القناع فإننا نلاحظ بعض التّفاصيل الّتي أراد بها البروفيسور إيصال أفكاره عن طريق هذا القناع

إنّ أهم المفاهيم الّتي تجسدت في رمزية هذا القناع هو مفهوم الثّورة بأبهى صورها، والّتي يمكن اختصارها بأنّها عملية تغيير للقيم تجسدت في مجريات أحداث عملية سرقة „دار السّك“  والّتي حوّلت هذا القناع من رمز للفاشية في أول المسلسل إلى رمز للثّورة و انتفاضة الطّبقات المسحوقة في نهاية الجّزء الثاني منهُ، والسّر يكمن في مجموعة القيم الّتي حافظ أعضاء المجموعة عليها خلال عملية السّرقة متمثلة  في رفض القتل ومساعدة الرّهائن، تأمين متطلباتهم والدّفاع عنهم في بعض الأحيان

هنا لا بدّ من التّذكير باللحظة الّتي خاطب بها „برلين“ أحد الرّهائن الّذي تعرض لإطلاق نار من قناصات الشّرطة بالخطأ وقيام الخاطفين عندها بطلب كادر طبي لعلاجه ، حيث قال له و بتهكم

“ أعرفك على المحققة راكيل، الّتي أمرت بإطلاق النار عليك“

من جهةٍ أخرى لم يرتدِ الخاطفون القناع بشكل مستمر، فقط  في المواقف الّتي كان يتوجب عليهم فيها إظهار الأفعال الدّنيئة الّتي كانت مجريات الأحداث تفرضها عليهم إشارة إلى مدى دناءة الفكر اليميني و عنصريته، على عكس لحظات وجودهم مع الرّهائن، و أحياناً مع أفراد من جهاز الشّرطة الّذين كانوا يدخلون لمساعدة الرّهائن المرضى،  وبالتّالي أصبحت وجوههم الحقيقيّة دلالة على القيم السّامية، و مختبئين وراء القناع اليميني عندما تُفرض عليهم أعمال منافية لِقيمهم

شخصيات مُمثلة لواقع طبقي مرير تجتمع في منزل واحد بقيادة البروفيسور

تدور قصّة هذا المسلسل حول مجموعة من الأشخاص ممن انتهى بهم المطاف لكونهم سارقين، خاطفين، مزورين، أو منفذي جرائم الكترونية. حسب القيم السّائدة و مجموعة القوانين النّاظمة في أوروبا هذا يعني  بأنّهم مجموعة من السّيئين المجرمين المتمردين على القانون، والّذين يسعون لتدمير المجتمع و إيذاء الناس. قامت شخصية البروفيسور و هو شخص ذكي جداً بجمع هؤلاء الأشخاص وتأهيلهم ثقافياُ، نفسياً، طبياُ وعسكرياً  من أجل سرقة دار السّك الملكية في مدريد.  أطلق البروفيسور أسماء مناطق على المشاركين كجزء من خطة،  الغاية منها عدم التّعريف بالأسماء الحقيقيّة حيث كانت كالتّالي

 طوكيو، برلين، دنفر، موسكو، هلسنكي، نيروبي، ريو، أوسلو

سأبدأ من أسماء هذه المدن

جميعها مدن عانت صراعات طبقية و قمع من الفاشيات الأوروبية، وعليها اختار أفراد المجموعة أنْ يختبئون  وراء أسمائها للدّلالة على الثّورة الّتي ستقوم على  النّظام الحالي

مقاربات المسلسل مع النّظام العالمي الحالي ورموزه

لماذا دار السّك في مدريد؟

 إنّ أهم أعمدة النّظام العالمي الحالي هو النّظام النّقدي، وفي مسلسل لَكاسا دي بابل كانت مجموعة السّارقين هم الطّبقات المسحوقة الّتي قررت التّمرد على النّظام العالمي.  ولابدّ هنا من التّطرق إلى المحادثة الّتي دارت ما بين البروفيسور والمحققة راكيل في الحلقة السّابعة من الموسم الثّاني، عندما قال البروفيسور للمحققة رداً على كلامها بأنّهم يقومون بسرقة أموال الشّعب:

  “ قام البنك المركزي الأوروبي في عام 2011 بطبع 171 مليار يورو دون الاستناد إلى أيّ غطاء، تماماً مثلما نقوم به نحن الآن، وفي عام 2012 قاموا بإصدار 185 مليار يورو، وَ 145 مليار يورو في عام 2013، ثمّ قاموا بإيداع هذه الأموال في المصارف، أيّ في جيوب الاغنياء مباشرة، أما نحن الآن نطبع الأموال الّتي هي من حقنا ونحن لا نسرق أموال أحد“

 هذه العبارة  الّتي جعلت المحققة راكيل تنظم لصفوف المجموعة وتكون ضربة كبيرة لأجهزة الدّولة الاِسبانية، لذا لا بدّ من التّنويه بأنّ ما خطط له البروفيسور بشأن طباعة النّقد في دار السّك الملكية وليس سرقتها، هو كناية عن قيام الطّبقات البروليتارية بالسّيطرة على وسائل الإنتاج و إلغاء فائض القيمة المتمثل بإجبار العمال على بيع قوة عملهم

وبالذهاب إلى لحظة الإفراج عن جزء من الرّهائن في „الحلقة التّاسعة من الجّزء الثّاني“ وطلب رئيس الاستخبارات الإسبانية  من إحدى الموظفات في خيمة العمليات الّتي تمّ نصبها أمام دار السّك الملكية من قبل جهاز المخابرات والشّرطة ومكتب التحقيق الفيدرالي الإسباني، بإخبار السّفير البريطاني في مدريد بأنّ ابنته تمّ تحريرها وهي بخير.  تقليد برجوازي يعطي الأولوية والأهمية للعاملين في السّلك الدّبلوماسي كونهم أحد أهم أجزاء هذا النّظام الرّأسمالي و حجر الزّاوية في بنائه القائم على غياب العدالة

في الجّزء الثّاني سوف أتابع مع تفاصيل أدق بخصوص مقاربات أحداث هذا المسلسل و ثورة الطّبقات البروليتارية و أسباب نجاحها وفشلها

.